تواصلت الردود القوية
ضد الخرجة الغريبة للفلكي لوط بوناطيرو الذي أثار الجدل والغضب أيضا من خلال زعمه
أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قضى معظم حياته بتوقيت خاطئ، حيث انبرى عدد
من المشايخ والأئمة لتوضيح الأمور ووضع النقاط على الحروف، ومنهم الشيخ أبو
اسماعيل خليفة، الإمام والداعية بسيدي بلعباس..
الشيخ أبو اسماعيل
خليفة ردّ، بقوة، على بوناطيرو، دون أن يذكره بالاسم، من خلال منشور على جدار صفحته
الفيسبوكية حمل عنوان "من قلةِ عقلِ المرءِ أن يُطاولَ ما لا يقدرُ على
مطاولتِهِ"، جاء فيه:
عجيب أن يتصدر المشهد
الثقافي من لا حظ لهم من دينهم إلا شقشقة لفظية وكلمات يرددونها ترديد الببغاء، وبكل
أسف أعلى الإعلام أعلامهم وأشار إليهم بأنهم من أرباب الفكر، وأفاض عليهم من
الدعاية الكاذبة ما يغطي انحرافهم ويستر جهلهم، وينفخ فيهم ليكونوا شيئًا مذكورًا
ليصرفوا بسطاء المسلمين إليهم ليلبسوا عليهم دينهم، ويجعلوهم شيعًا.
فقد سمعنا بكل أسف تلك
الخرجة الغريبة العجيبة للفلكي الذي ضل سبيله ما بين الكون والزمان وجاء ليخبرنا
أن الرسول عاش بتوقيت خاطئ وأنهم كانوا يصومون في أشهر خاطئة، ولم يصححها إلا قبل
3 أشهر من انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، ثم جاء بعده عمر بن
الخطاب وجمع الصحابة وقاموا بتصحيح السنة القمرية وحذفوا الشهر النسيء.
ثم جاء أولئك أرادوا أن
يتدخلوا في قسمة الله تعالي فيسوون بين الرجل والمرأة في المواريث.
ثم ذاك المتنطّع الذي
تهجّم علي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخص أبي هريرة رضي الله عنه وعن
الصحابة أجمعين. حيث تساءل كيف يمكن لأبي هريرة أن يروي هذا الكم من الأحاديث وهو
لم يعش مع الرسول إلا مدة أقل من أربع سنوات، بينما علي بن أبي طالب الذي عاش طول
حياته مع الرسول لم يرو غير 40 حديثا، وأبو بكر الصديق نقل 140 حديثا، ويذكر عنه
أنه كان كاتبَ بني أمية في عهد معاوية وتولى في عهدهم إمارة المدينة، وأن بعض
الأحاديث التي رواها مازالت تشعل النيران وتغذي الفتنة والأحقاد لحد الآن.
وليس غريبا أن يتولّى
كبر هذه الافتراءات مستشرقون أو أجانب عن هذا الدين، إنما الغريب أن يتولى كبرها
رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وينتسبون زورًا لإسلامنا، وصدق ربي إذ يقول:
"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا
تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ
الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد"ُّ.
البقرة:204-206.
وما تطاوُلُ هؤلاء
وأمثالهم على الإسلام وعلي الصحابة والاستهزاء بكتب الحديث التي تلقتها الأمة
بالقبول إلا تطرّف فكريّ لا يختلف عن التطرف الديني، وكلاهما يجلب المزيد من
الصراعات التي أثخنت الأمة بالجراح، في وقت يحتاج فيه الوطن من المؤسسات العاملة
أن تجتمع علي رفعة شأنه ولمّ شعث أفراده وجمع الكلمة وتأليف القلوب وتنزيه ما
استقر في وجدان الأمة وضمير علمائها وما أجمع عليه أهل التخصص.
أبشر هؤلاء بأن الله
تعالى قال فيهم وفي أمثالهم: "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ
اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ثُمَّ
لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ". الحج:15.
إنها صورة من الروائع
النفسية.. فالقرآن الكريم يخاطب خواطر نفسية تجول في نفوس أمثال هؤلاء، وأماني
تتردد أصلا في أعماقهم، قبل أن تتناجى بها ألسنة بعضهم، إنهم يتمنون ويأملون أن
يروا النبي صلى الله عليه وسلم فاشلا. إنها قلوب وأنفس تحمل الغل والحقد للإسلام.
ولإيضاح الصورة نشرح
المفردات:
الهاء: في (ينصره) تعود
على النبي صلى الله عليه وسلم. السبب: الحبل سواء أكان من ليف النخل أو غيره.
السماء: العلو، ولفظ السماء في اللغة يعني كل ما ارتفع فوقك. ليقطع: بمعنى ليجهز
على نفسه بالخنق حتى الموت من باب قطع مجرى التنفس. كيده: الكيد والمكيدة ما يدبره
الأنسان مستخدما في إعداده التفكير والمكر، وهو غالبا ما يكون بهدف الإضرار
بالغير..الصورة واضحة الآن:
الذين يتمنون فشل محمد
صلى الله عليه وسلم ويغيضهم انتصاره، يمكن أن يلجأوا إلى فكرة أو خطة لمعالجة
غيضهم، هي أن يأتي الواحد منهم بحبل فيعلقه في سقف، ثم يخنق نفسه بهذا الحبل، ثم
يرى بعد ذلك. هل أذهبت هذه الخطة غيضه؟.
إنها صورة تعبيرية
(كاريكاتير) بالغة السخرية. وهذا أسلوب ومنهج معروف، ما اصْدقه في قولنا: "من
لا يعجبه هذا فليشرب من البحر" أو " فليضرب رأسه في الحائط". فهل
هذا يفيده؟..
قال كليلةُ: واعلم-يا
دِمنةُ-أنَّ من قلةِ عقلِ المرءِ وسوءِ تدبيرِهِ أن يُطاولَ ما لا يقدرُ على
مطاولتِهِ، وأن يُغالبَ ما لا يقدرُ على مغالبتِهِ، فيكون مثلُهُ في ذلك كمثلِ
النملة الحمقاء.
يقول الحافظ أبو زرعة:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي فاعلم أنه زنديق، وذلك لأن الرسول حق، والقرآن
حق، وما جاء به النبي من عند الله حق، والذي نقل إلينا كل ذلك هم الصحابة، وهؤلاء
يريدون أن يجرحوا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة.
انظروا إلى كلام
العلماء، لو شككت في أخلاقي لشككت فيما أنقله إليك من العلم، فالصحابة هم الذين
نقلوا إلينا التركة المباركة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقلوا إلينا القرآن،
نقلوا إلينا السنة، والطعن في الناقل طعن في المنقول، فهؤلاء يريدون أن يهدموا
الصحابة وصولا لإبطال القرآن والسنة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
فليخسَإِ الحاقدون على
الإسلام، وليَمُت بغيظِهم الخاسئون، وليعلموا أنه في كل زمانٍ ومكانٍ يتصارعُ
الحقُّ والباطلُ، ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها: أن الحقَّ يثبُت ويستقرُّ ويعلو،
والباطل يضمحِلُّ ويزولُ وينتهي؛ قال ربُّنا جل وعلا: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا". الإسراء:81.
فاللهم أعز الإسلام
والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، يا ذا القوة المتين، واحرسنا
وبلاد المسلمين بعينك التي لا تنام، واكنفنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك
علينا، فلا نهلك وأنت ثقتنا ورجاؤنا يا رب العالمين..
