في مقال مميّز حمل عنوان "كنت أعيش داخل كرة!"، نشره على جدار صفحته الفايسبوكية بتاريخ الخميس 25 جانفي 2024، وجّه الكاتب الصحفي نجم الدين سيدي عثمان رسائل مبطنة قوية للمهووسين بالجلد المنفوخ الذين تشغلهم كرة القدم عن حياتهم والتزاماتهم الدينية والدنيوية..
وفيمايلي النص الكامل للمقال:
إلى غاية 2017 كنت أعيش داخل كرة تقريبا، حياتي عبارة عن كرة، استيقظ لأشاهد مباريات الكرة، واشتغل في صحيفة رياضية ولا أتابع سوى الكرة ثم أسافر مراسلا مع المنتخب الوطني خارج الوطن وهكذا كانت حياتي.
بل هكذا كنتُ تقريبا منذ بدأت الصحافة الرياضية عام 2002.
في لحظة فارقة، كرهت الكرة، ولو شاهدت في التلفزيون مانشيستر يونايد يواجه السيتي والنتيجة بينهما 5-5 والكرة عند محرز عند نقطة الجزاء فلا يهمني الأمر، وسأغير المحطة.
♦️أذكر أنني عام 2018 لم أشاهد سوى بضعة مباريات وكنت أنسى أصلا مباريات "الخضر"، كانت لحظة وعي، في الحقيقة سبقتها لحظة صادمة تتمثل في التخلي عن حياتي ككل، وبدء حياة جديدة بسبب شخص (وقد سامحته) دفعني للرحيل من منصب عمل كان يحقق لي ثلاث هوايات الكرة والسفر وأخبار المنتخب الوطني.
خرجت فجأة لعالم لمتوحش وغريب، مجرد من كل سلاح، كأنني مغترب، لا أعرف الناس، لغتهم تغيرت، الحياة كلها تبدلت، العالم ما عاد يشبهني، وأنا قضيت سنوات من عمري معزولا داخل كرة، إما وراء "اللابتوب" أو في الخارج، بلا مهارات كبيرة ولا خبرات، باستثناء كم كبير من المعلومات عن الكرة، فكان يتعين البدء من الصفر.
♦️من يومها بدأت بناء حياة أخرى، بدأت بتطوير نفسي والتعلم خاصة التعلم، عدت لقراءة الكتب، ألفت كتبًا، افتتحت دار نشر، اكتشفت أنواعا جديدة من الصحافة الرقمية أكثر إمتاعا من الصحافة الرياضية، سافرت، طورت نفسي في جوانب جديدة، في الجانب الديني والنفسي خصوصا، توقفت عن تماما عن سماع الموسيقى عوضتها بالبودكاست المفيد، اهتممت بالجانب الغذائي، كنت دليلا لكثيرين لتتبع نمط الحياة بلا سكر، تعلمت وتكونت وتطورت وتغيرت وصرت أكثر إيجابية وتفتحا، وهكذا انفجرت الكرة التي كنت أعيش بداخلها.
✨️✨️ لقد تعلمت من تجربتي المتواضعة دروسًا، تمنيت لو أخبرني بها احدكم قبل عام 2017، أحاول مشاركتها معكم :
♦️"الخبزة" التي تمكنني من حضور 5 مباريات يوميا وعدم القدرة على آداء صلاتين جماعة في المسجد، تستدعي منس إعادة النظر فيها.
♦️حين ابتعدت عن الكرة اكتشفت أنني كنت أعيش في عالم خبيث ومنافق، لم أتلق مكالمة هاتفية من لاعب أو مدرب طيلة عامين، اليوم أعرف أصدقائي جيدًا وأتعامل بحذر مع المكالمات التي تتفقدني فجأة.
♦️كرة القدم ليست لعبة مصيرية أبدًا، الفوز فيها لا يرفع الوضع المعيشي للشعب الجزائري، والخسارة فيها لا تعتبر نكبة للاقتصاد الوطني.
♦️ الوظيفة المنهكة ولساعات طويلة هي اعتقال قسري يحرم فيه الإنسان من أهله وأبنائه وحريته، يفترض أن نعمل لنعيش، ولا نعيش لنعمل.
♦️ العمل الشاق الذي يمنع الإنسان من التعلم والتقدم والتطور والبقاء حبيس الجدران والكرسي والحاسوب والعمل بشكل روتيني مكرر؛ قد يكون عملا قاتلا يمتص طاقة الإنسان وروحه ويفقده بهجته وربما يؤدي به للاحتراق النفسي.
♦️ لا اعتراض على من يشاهد الكرة، حين ينهي الإنسان واجباته الدينية والعملية والعائلية، يمكنه أن يستمتع، هكذا يفترض أن تكون الكرة.
♦️والنصيحة الأخيرة والأهم التي دائما ما أوجهها لنفسي وللشبان الأقل مني سنًا
: "الحياة أوسع من أن نعيشها داخل كرة".
في الأخير وكي أكمل وقد أطلت :
الله يغفر لنا ويقدرنا على سؤال "..وشبابك فيم أبليت؟"، وجعلنا الله مُصلحين في تبقى من عمر كي نجيب على سؤال و"عمرك فيم أفنيت؟"

