
صورة مركبّة تجمع هواري بومدين وجمال عبد الناصر
ـ كتب: الشيخ بن خليفة ـ
benkhlifa@gmail.com
أثار تسريب صوتي منسوب للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، "يتهجم فيه على الجزائر"، جدلا كبيرا في الأيام الأخيرة ـ أواخر شهر سبتمبر 2025، في مصر والجزائر وأنحاء مختلفة من الوطن العربي الممزّق والمتهالك، فبين مصدّق ومكذب، ومهاجم ومدافع، تباين الآراء والرؤى، وراحت بوادر اشتعال فتنة تاريخية تلوح في الأفق، ما دعا العديد من "العقلاء" إلى الإدلاء بدلائهم، والتعبير عن ضرورة تجنب الصيد في المياه العكرة، في هذا الظرف، وفي كل الظروف.
وسواء كان مضمون التسجيل صحيحا أو مفبركا، أو مُولّدا بالذكاء الاصطناعي، فإنّ نشره في هذا التوقيت بالذات، والطريقة التي تداولت هبها بعض وسائل الإعلام العربية تُثير الشكوك بشأن النوايا الحقيقية للواقفين وراء إخراجه، وتبدو نية إثارة فتنة جديدة بين البلدين الشقيقين، الجزائر ومصر واردة جدا، ومازالت في الأذهان الفتنة المُنكرة التي هزت علاقات البلدين، وشعبيهما، سنة 2009 بسبب جلد منفوخ وكرة لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
ففي ذكرى رحيله الـ55، أثار تداول مغردين لتسجيل صوتي مسرب منسوب للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ناقش خلاله الموقف العربي من الاحتلال الصهيوني لبلاده بعد حرب جوان عام 1967، وتشكيكه في التضامن الجزائري مع مصر، ضجة كبيرة وجدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.
تهجّم على الجزائر
التسجيل المزعوم الذي قيل بأنه جمع بين عبد الناصر والرئيس الموريتاني الراحل مختار ولد داده، يُفترض أنه يعود لتاريخ السادس من سبتمبر عام 1970، أي قبل أيام قليلة من وفاة الرئيس المصري في الـ28 من الشهر نفسه، وتركز حديثه بصورة رئيسة على صعوبات الحصول على دعم عسكري خلال المواجهات مع ما يسمى إسرائيل، إذ تحدث خلاله عبد الناصر ـ حسب ما يُسمع في التسجيل الذي قد يكون مفبركا أو تم التلاعب فيه ـ عن طبيعة الخلافات العميقة مع بعض الدول العربية التي اكتفت بالدعوة إلى التصعيد، بينما تركت "القاهرة تتحمل العبء العسكري والسياسي وحدها"، على حد وصفه.
ووفق ما جاء في التسريب المزعوم، قال عبد الناصر: "نواجه مزايدات عربية تسبب لنا أمراضاً نفسية أكثر من الإسرائيليين والأمريكيين"، مضيفاً "نحن نتعرض لضغط اليهود، ولما وافقنا على المبادرة الأمريكية (مبادرة روجرز)، طلعوا (أخرجوا) بيانات في الجزائر، وقالوا إننا استسلمنا، وإن هذه خيانة للأمة العربية وفلسطين، وإننا لا بد من أن نحرر فلسطين كلها، حسناً لكن كيف نحرر فلسطين كلها".
وعن الجزائر التي تركز معظم الحديث حولها بين عبد الناصر وولد داده، نسمع في التسجيل المُفترض الرئيس المصري وهو يقول: "طلبنا طيارين من الجزائر لمحاربة إسرائيل ورفضوا إعطاءنا طياراً واحداً، لكن عندما طلبنا من الاتحاد السوفياتي أعطونا طيارين... والجزائريون يقولون إنهم يريدون تحرير فلسطين... فليتفضل الجيش الجزائري إذا كان يريد أن يقاتل"، ثم علق الرئيس الراحل على الدعوات إلى تحرير فلسطين بأنها "مجرد كلام وليست أفعالاً".
تسجيل حقيقي أم غباء اصطناعي؟
تباينت آراء المعلقين على التسجيل المزعوم، ورأت أصوات عديدة أن التسجيل قد لا يكون حقيقيا، وفي أفضل الحالات هو مبتور من سياقه مما يُفقده المصداقية، بينما اتجه البعض إلى فرضية فبركة التسجيل بتقنية الذكاء الاصطناعي، حيث ردّ ناشط بعبارة "الفيديو المفبرك بالغباء الاصطناعي الذي نشرته قناة العربية"، مضيفا: هم نشروا صوتا مفبركا منسوبا لجمال عبد الناصر بدون فيديو ونحن سننشر فيديوهات حقيقية بالصوت والصورة .
ومن أهم الشهادات التي يمكن الاستعانة بها ـ للتاريخ ـ في هذا الشأن، شهادة محيي الدين عميمور، الوزير الأسبق للثقافة، ومستشار الرئيس الراحل هواري بومدين الذي أدلى بدلوه في النقاش المثار بشأن التسجيل المسرب المنسوب إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
شهادة عميمور
الكاتب والدبلوماسي والمستشار، والوزير الأسبق، الدكتور عميمور بدا حريصا على تجنب التعقيب الانفعالي، وكان دقيقا في انتقاء مُفرداته، وظهر ساعيا للإنصاف والموضوعية، فكتب يقول في منشور على جدار صفحته الفيسبوكية:
كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر زعيما عربيا ترك بصمات بالغة الأهمية على حياة بلاده بل وعلى المنطقة العربية بأسرها، بل العالم الثالث.
وكأي رائد من رواد الحركة الوطنية من الطبيعي أن يكون له حجم هائل من الأنصار يتجاوز الحدود المصرية، كما أنه ليس سرّا أن خصومه بل وأعداؤه كانوا كثيرين، وخصوصا من بين "أبناء العمّ" وحلفائهم والمطبعين معهم.
وبرغم مرور ما يقرب من نصف قرن على وفاته فإنّ الكثيرين كانوا ينتظرون شهري جوان وسبتمبر من كل عام لتخليد ذكراه، هو ما كان خصومه يواجهون ذلك في نفس الفترة بابتكار كل ما يرون انه يلوثه، بأمل تعقيد كل من يحاول أن يقول كلمة خير في رجل يأبى التاريخ ان ينساه، وهو، للأمانةالتريخية، ممن تنطبق عليه مقولة: اجتهد وأصاب واجتهد وأخطأ.
وهكذا تابعنا في 28 سبتمبر الحالي، ذكرى وفاته في 1970، ما قيل إنه تسريب لتسجيل ينتقد فيه الجزائر، التي كان استقبالها لعبد الناصر في مايو1963 استقبالا حماسيا أسطوريا لم يعرفه في غير مصر باستثناء السودان وسوريا، والتي تذكر له مواقفه دعما لثورتها.
ولم أحاول الردّ على التطاول الذي رأيت أنه استعمل مرة أخرى أسلوب "ويل للمصلين"، لأن أي عاقل يدرك أن الرئيس المصري، مهما كانت أخطاؤه أو حتى خطاياه، ليس غبيا ولا أحمقا حتى يبصق في كأس شرب منه بل وارتوى، وكان وراء إحجامي خلفية تناولتها أمس في منشور على شكل نكتة "عبد الودود"، بعد أن مللت من تعليقات عدائية استهدفتني وكانت تنتقد مسارعتي للردّ على إساءات متعمدة تستهدف الجزائر والقيادات الوطنية.
وكان هذا ما حدث في جوان الماضي، ذكرى هزيمة 1967، حيث تصديت يومها لما رُوِي وذكرت ما أعرفه من موقع الشاهد على الأحداث، وتحديتُ أن يُكذبني من قاموا ببث التسجيل "المُمنتج"، ولم أقرأ رداً على ما كتبته.
درّاجي: "روابط البلدين عصيّة على المضلّلين"
من جهته، نشر المعلق الجزائري البارز، بقنوات بيين سبورت القطرية، حفيظ درّاجي، تدوينة على حسابه الشخصي بموقع الفيسبوك، يوم الثلاثاء 30 سبتمبر 2025، جاء فيها:
مصر / الجزائر..
لقد وقفوا معنا وقفة الرجال في معركتنا ضد الاستعمار الفرنسي، ووقفنا نحن معهم في ملحمة 67 و73، كتفًا بكتف، ودمًا بدم.
لم يتراجعوا يومًا ساعة العسرة، ولم نتراجع نحن في أوقات المحن.
لم نطعن مصالحهم، ولم يخونوا قضايانا.
إنها أخوّة كتبتها التضحيات، ومودّة سقتها الدماء، واحترام صنعته المواقف الصادقة.
وستبقى هذه الروابط بين مصر والجزائر أبد الدهر، عصيّة على المضلّلين، صامدة أمام كل من يحاول طمسها أو المتاجرة بها.
****
وكالة الأنباء الجزائرية تفتح النار على "العربية"
تساءلت وكالة الأنباء الجزائرية قائلة: من يخشى التفاهم التام بين الجزائر والقاهرة؟، مشيرة في برقية بثتها مساء الثلاثاء إلى أن القناة السعودية "العربية" أقدمت على تجاوز جديد في مسار التضليل الإعلامي، وذلك من خلال بث ما زعمت أنه أرشيف يظهر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وهو يقلل من دور الجزائر في حرب الستة أيام، عام 1967. وبهذه الخطوة، تؤكد القناة مرة أخرى وظيفتها الحقيقية: تزوير التاريخ، وبث الفتنة، والإساءة إلى أكثر الدول العربية التزاما بقضايا الشعوب.
-ذاكرة مشتركة لا تمحى-
وجاء في برقية الوكالة الرسمية:
عندما يتحدث الضباط المصريون عن حرب أكتوبر 1973، فإنهم يشددون دوما على الدور الحاسم للجزائر، سواء على الصعيد المالي أو العسكري. ويستحضرون باحترام كبير تضحيات الجنود الجزائريين الذين استشهدوا على الجبهة دفاعا عن أشقائهم المصريين، والخسائر الفادحة التي ألحقوها بالعدو الصهيوني بفضل صمودهم.
وتبقى المبادرة التاريخية للرئيس الراحل هواري بومدين، الذي سافر شخصيا إلى موسكو لاقتناء السلاح للجيش المصري وتكفل بسداد تكلفته، شاهدا على أخوة راسخة في السراء والضراء. هذه الذكرى تفسر المحبة الكبيرة التي يكنها الشعب المصري بأغلبيته الساحقة للجزائر.
- تزوير فج -
إن ذلك "المقطع" ليس سوى فبركة رقمية بتقنيات الذكاء الاصطناعي (ديبفيك)، في مشهد جديد من مشاهد الكذب. لو أن عبد الناصر صدرت منه مثل هذه الأقوال لوجدت طريقها إلى الصحافة العالمية أو الأرشيفات الرسمية أو خطبه المعروفة. لكن لا أثر لها إطلاقا. الفيديو إذا مجرد تركيب لتضليل الرأي العام.
لقد كان عبد الناصر من أشد المناهضين للصهيونية، ومن أبرز الداعين إلى وحدة الأمة العربية، وظل سندا ثابتا للجزائر منذ استقلالها.
-استهداف مباشر للجزائر ومصر-
ليس من باب الصدفة أن تعود الجزائر إلى مرمى الحملات المغرضة. فمنذ الاستقلال، انتهجت دبلوماسية قائمة على المبادئ: التضامن مع الشعوب، دعم القضايا العادلة، ورفض الإملاءات الإمبريالية. وفي حرب 1967، وقفت الجزائر إلى جانب مصر بكل قوة، وهو ما يزعج خصومها حتى اليوم.
فمحاولة "العربية" افتعال قطيعة بين الجزائر ومصر ليست سوى خطة خبيثة لضرب ركيزتين أساسيتين في العالمين العربي والإفريقي. الهدف واضح: النيل من الذاكرة المشتركة وتشويه روابط الأخوة التاريخية بين الشعبين. أما الجهة المستفيدة من هذه الدسائس، فهي معروفة: الجار الغربي الذي لم يتردد في الارتماء في أحضان التطبيع الصهيوني.
-أصوات تم استغلالها -
في هذا السياق، لجأت القناة إلى استجواب بعض المفكرين والشخصيات الجزائرية. من المهم التوضيح أن تصريحات هؤلاء لا تعكس لا خيانة ولا تواطؤا. بل على العكس، فهم غالبا ما يتحدثون بدافع حب الوطن والغيرة عليه، وبروح المسؤولية والصدق. غير أن مكمن الخديعة يكمن في طريقة توظيف القناة لهذه المداخلات، حيث تقتطع من سياقها وتلون بصبغة سياسية غريبة عن معناها الأصلي، لتتحول إلى أداة تضليل ضد الجزائر وضد الوحدة العربية. توقيع "العربية": التضليل والانقسام.
لا غرابة في ذلك. فالقناة معروفة بخطها التحريري المنحاز وحملاتها الدعائية. لطالما شوهت الوقائع، أعادت صياغة التاريخ، ونشرت سموم الانقسام داخل الوطن العربي. وما واقعة تزوير تصريحات عبد الناصر إلا حلقة جديدة في مسلسل أسود من المناورات الإعلامية.
-الدفاع عن التاريخ هو دفاع عن الأخوة-
التاريخ لا يزور. والصداقة الجزائرية ـ المصرية التي صنعت بالنضال والدم، لا تمحى بمقاطع رقمية مفبركة. قد تواصل "العربية" حملاتها، لكنها لن تنجح أبدا في طمس دور الجزائر في القضايا العربية، ولا في الإساءة إلى مكانة مصر الناصرية.
الشعوب تعرف التمييز بين الحقيقة والزيف. والمثقفون والمخلصون سيواصلون الدفاع عن بلدانهم بكل إخلاص. لكن من واجب الجميع التزام اليقظة، وفضح التضليل، والتذكير بالحقائق التاريخية.
فالرهان اليوم لا يقتصر على صورة بلد أو آخر، بل يمس كرامة الأمة وذاكرتها، ومن ورائه مستقبل المنطقة بأسرها.

