استعاد الدكتور محيي الدين عميمور بعض ذكرياته مع الرئيس الجزائري الراحل اليامين زروال الذي وافته المنية، بمستشفى عين النعجة العسكري، بالجزائر العاصمة، في وقت متأخر من يوم السبت 28 مارس 2026.
ونشر الوزير الأسبق للثقافة، ومستشار الرئيسين الراحلين هواري بومدين والشاذلي بن جديد، مقالا على حسابه الشخصي بموقع الفيسبوك، تحت عنوان "الأمــة فــي حــداد"، قال فيه:
رحل اليمين زروال رافع الرأس كما كان في حياته، مجاهدا في سبيل الله والوطن، حريصا على كرامة بلاده وأمن مواطنيه، رفض عرض الرئيس الفرنسي بلقاء سرّي قائلا: سأقبل لقاءه يوم تكون له شجاعة اللقاء العلني، وأطلق قانون الرحمة الذي سيكون قاعدة المصالحة الوطنية التي لولاها لعرفنا مصير بلدان أجمع الكلّ على فشلها، ثم ألقى بعبء الرئاسة بعيدا يوم أحسّ بأنها تتناقض مع ما يؤمن به ويعمل من أجله.
وأسترجع بعض الذكريات..
فبعد أحداث جسام يتولى اليمين زروال رئاسة الدولة ثم يُنتخب في منتصف التسعينيات رئيسا للجمهورية، فراح يحاول بكل جهده الخروج بالبلاد من تداعيات العشرية الحمراء في وسط جو معقد تنمرت فيه ضباع كراهية الانتماء العربي الإسلامي، وتمكن من أن يُبلور بذور مشروع المصالحة الوطنية التي استثمرها الرئيس بوتفليقة فيما بعد، وهو ما تناساه كثيرون مع الأسف...جحودا وقلة خير.
وتأكد أن اتجاه الرئيس نحو تحقيق مصالحة وطنية كان وراء الهجمة الشرسة التي تعرض لها ممن كانوا يريدون وضعية على المقاس، وتعرض الرئيس لحملة إهانة حقيرة من بعض الصحف، وراحت بعض النسوة يصرخن في تظاهرة "عفوية" ... يا زروال .. لا تنزع السروال.
وفي ديسمبر 1997 يتصل بي مدير التشريفات برئاسة الجمهورية قائلا إنه أراد أن يتأكد من وجودي في العاصمة الجزائرية، ثم يتصل ثانية بعد أيام ليبلغني بأن الرئيس زروال سوف يستقبلني على العاشرة من صباح بعد الغد.
ورحت أضرب أخماسا في أسداس، فلم أكن طلبت لقاء الرئيس ولا كنت أتوقع لقاءه.
وتذكرت أنه، في آخر لقاء لي معه خلال حفل أقيم بقصر الشعب، قال لي برقة بالغة : "أنا أتابع تحركاتك"، وفهمتُ أنه يشير إلى كتاباتي ومساهماتي في بعض النشاطات الفكرية، وشعرت بسعادة بالغة وأنا أسجل أن رئيس الجمهورية يتابع النشاط الثقافي باهتمام، سيرا على سنة الرئيس هواري بو مدين والرئيس الشاذلي بن جديد في عهدته الأولى.
وتذكرت بأن أول لقاء لي مع اليمين زروال كان في نهاية الخمسينيات بالقاهرة حيث استقبلته كطالب سوف يلتحق بإحدى الكليات العسكرية، وكنت يومها مكلفا بالشؤون الصحية والثقافية في المكتب العسكري بالقاهرة الذي كان يديره الرائد رابح نوار.
وفي اليوم المحدد للاستقبال كنت في مكتب الأخ خليل مدير التشريفات قبل الموعد بخمس دقائق، وعندما اقتربت الساعة من العاشرة اصطحبني إلى مكتب الرئيس المجاور لمكتبه، وفوجئت بزروال ينتظرني واقفا خلف باب المكتب مباشرة، وليس جالسا على مكتبه على بعد أمتار في صدر القاعة أو حتى جالسا على كرسي الصالون في خلفية الصالون الملحق بغرفة المكتب.
وأحسست بتقدير كبير للرجل، وأكبرت فيه هذا التصرف الكريم، وكعادة قدامى الجيش وقفت أمامه وقفة "انتباه"، فإذا به يُعلّق ضاحكا: ما زال ما نسيتش انضباط الجيش.
وبعد عناق أخوي محا كل قيود البروتوكول اصطحبني نحو صالون المكتب مشيرا لي لكي أتقدمه، وجلست إلى يمينه، وقال لي بأنه يتابع بتقدير كبير نشاطي وكتاباتي داخل الوطن وخارجه، وتذكرت بخجل كبير أنني لم أكن كتبت كلمة ثناء واحدة عليه، ولم أحاول مدح جهوده بأي حال من الأحوال، باستثناء سطور قليلة قلت فيها بإيمان ويقين أن "مكان كل وطني هو إلى جانبه".
وتزايد إكباري للرجل عندما أخذ يحدثني بإسهاب عن الأوضاع في البلاد وعن أن الدستور ينص على تعيين عدد من الكفاءات الوطنية في مجلس الأمة، ثم قال لي أنه وقع اختياره عليّ لأكون عضوا في المجلس، وفوجئت بالعرض، خصوصا وأن موقفي من دستور 1996 لم يكن سرا على أحد، حيث كنت وقفت ضد تعديله وكتبت، مع الزميلة زهور ونيسي، النص الذي صدر عن اتحاد الكتاب متناقضا مع التعديل.
ولكنني رحبت بالاقتراح وكان شرطي الوحيد لقبوله هو أن يُسمح لي بمواصلة الكتابة، وهو ما علق عليه الرئيس ضاحكا بأنه لن يمنعني من الكتابة ، فهي من معالم شخصيتي التي أهلتني للمنصب.
ولم يكن سرا أن هناك مراكز نفوذ معينة ساهمت في اقتراح الأسماء لرئيس الجمهورية، لكنني لم أعرف من كان وراء وضع اسمي في القائمة، ثم عرفت أنه الرئيس نفسه، وعرفت فيما بعد أنني كنت من بين قلائل استقبلهم زروال شخصيا، وكتبت عن اللقاء واستعرضت محتواه في مقال نشرته الأهرام في بداية يناير 1998، وتحت عنوان "أسبوع المفاجآت".
رحمه الله، فهو ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه".




