-->
أخبار الجزائر والعالم أخبار الجزائر والعالم

حوار خاص مع الأخصائية النفسانية مريم مسعي 🎙


الأخصائية والمُعالِجة
مريم مسعي أحمد في حوار خاص:

"النظرة للعلاج النفسي تغيّرت في الجزائر"

 

* التعامل مع "عصابات الأحياء" لا ينبغي أن يقتصر على البُعد الأمني 

 

في زمن تتفاقم فيه الضغوط النفسية والاجتماعية داخل الأسرة الجزائرية، وتختلط فيه مفاهيم الصحة النفسية بين العلم والشعوذة، يطلّ هذا الحوار مع الأخصائية والمُعالِجة النفسانية مريم مسعي أحمد، الباحثة التي تجمع بين الممارسة العيادية والتأليف والتوعية. صاحبة كتاب «النرجسية في الروابط الأسرية» الذي شارك في صالون الجزائر الدولي للكتاب، تفتح هنا نافذة صريحة على واقع العلاج النفسي في الجزائر: من تقييم الحالات وتفريد التدخلات، إلى التعامل مع الانتكاسات، مروراً بمشكلات المراهقين والأطفال، وظاهرة عصابات الأحياء، وأنواع الإدمان الصامت والحاد. حوار يكشف كيف يمكن للمعرفة النفسية أن تكون أداة وقاية وإصلاح، بعيداً عن الوصمة والخلط المفاهيمي، ويضع الإصبع على الحاجة الملحّة إلى تعزيز التوعية وتنظيم المجال وحماية المريض.

 

أجرى الحوار: شيخ بن خليفة

 نُشر على صفحات جريدة "أخبار اليوم" في عدد الأحد 23 أوت 2026

من الممارسة العيادية إلى الكتاب: كيف وُلدت فكرة «النرجسية في الروابط الأسرية»؟

** كيف يمكنك تقديم نفسك، والتعريف بأبرز ما تقدّمينه من خدمات، والفئات المعنية بهذه الخدمات؟

* أنا مريم مسعي أحمد، أخصائية ومعالجة نفسانية، أسعى لإتمام دكتوراه في علم نفس الصحة، إيماناً مني بأهمية الدمج بين الفهم العيادي العميق والتدخل العلاجي الشامل. كما أنني مؤلفة في المجال الإكلينيكي، وأول مولود فكري لي كان تحت عنوان «النرجسية في الروابط الأسرية»، المشارك في الصالون الدولي للكتاب (الطبعة 28) سنة 2025.

أقدم خدمات التقييم النفسي، والإرشاد والعلاج النفسي، مع اعتماد مقاربات علاجية حديثة، من بينها العلاج المعرفي السلوكي (TCC)، ومجموعة من التقنيات والفنيات المتطورة في مجال التأطير النفسي الإكلينيكي للحالات، من بينها تقنية إزالة التحسس بحركة العين (EMDR)، وتقنية التدريب غير الدوائي لتنظيم نشاط الدماغ ومراقبة الإشارات الكهربائية فيه (Neurofeedback)، وغيرها من التقنيات الحديثة في مجال الإشراف والتأطير الإكلينيكي للحالات والمرضى.

تشمل مجالات ممارستي مرافقة الأفراد والأسر، والعمل مع الاضطرابات النفسية الشائعة مثل القلق والاكتئاب والوسواس القهري، إلى جانب الاهتمام بالاضطرابات النمائية العصبية لدى الأطفال، واضطرابات الشخصية. كما أخصص جزءاً مهماً من عملي لدعم الأشخاص المتأثرين بأنماط العلاقات الأسرية المختلة والعنف النفسي داخل الأسرة، ومرافقتهم في مسارات التعافي وبناء توازن نفسي صحي.

كما أساهم في التوعية النفسية وتطوير مجال علم النفس من خلال المشاركة في ملتقيات دولية في المشرق العربي، ونشر مقالات نفسية توعوية تحاكي مشاكل اجتماعية شائكة ومتنوعة في المجتمع الجزائري عبر الجرائد والصحف الوطنية، إضافة إلى تكوين وتأطير عدد معتبر من الطلبة والممارسين الميدانيين في مختلف مواضيع علم النفس.

 


** هلا حدثتينا دكتورة عن كتابك «النرجسية في الروابط الأسرية».. عن نشأة الفكرة وميلاد المشروع، وعن الأصداء في الوسط البحثي والوسط الجماهيري؟

* انبثقت فكرة كتاب «النرجسية في الروابط الأسرية» من الممارسة الميدانية والاحتكاك اليومي بحالات تعاني من أذى نفسي عميق سببه علاقات أسرية غير سليمة، يغلب عليها التسلط أو الاستغلال العاطفي. حيث لاحظت نقصاً واضحاً في الطرح المبسط الذي يشرح هذا النوع من الديناميكيات داخل الأسرة، فكان هذا الكتاب محاولة للجمع بين الأساس العلمي والخطاب المفهوم للقارئ العام.

وقد لقي الكتاب صدى إيجابياً في الوسط الجماهيري، خاصة لدى القراء الذين وجدوا فيه تفسيراً لتجارب عاشوها بصمت. كما أثار اهتماماً في الأوساط المهتمة بالصحة النفسية لطرحه موضوعاً حساساً لا يزال يحتاج إلى مزيد من النقاش والتوعية.

بين الوصمة والوعي: هل بدأ المجتمع الجزائري يتقبل العلاج النفسي؟

** إلى وقت قريب كان الخضوع إلى علاج نفسي أمراً بالغ الحساسية على المستوى الاجتماعي، وكان كثيرون يترددون في الخضوع لعلاج من هذا النوع أو حتى استشارة. فانطلاقاً مما سبق، هل بدأت الأمور تتغير الآن؟

* عرفت النظرة إلى العلاج النفسي تغيراً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضوراً في المجتمع، وساهم ذلك في تقليص جزء من الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية. غير أن هذا الانفتاح رافقه في المقابل نوع من الخلط المفاهيمي، إذ بات البعض يساوي بين العلاج النفسي العلمي وممارسات أخرى لا تستند إلى أسس علمية، مثل تقنيات «الطاقة» المختلفة، أو ما يُروَّج له تحت مسميات كالسادو (لوحة المسامير) وغيرها، أو بعض الطقوس ذات الطابع الشعوذي، إضافة إلى الخلط مع خطابات التنمية البشرية العامة أو بعض أشكال الطب البديل.

ويُضاف إلى ذلك انتشار أشباه المختصين الذين يقدمون أنفسهم كمعالجين نفسيين دون تكوين أكاديمي أو تأطير مهني معتمد، وهو ما يساهم في تشويه صورة العلاج النفسي الحقيقي ويُربك المتلقي. ورغم هذه الإشكالات، يمكن القول إن المجتمع يعيش مرحلة وعي وانتقاء، حيث أصبح عدد متزايد من الأشخاص أكثر حرصاً على التوجه إلى مختصين مؤهلين. ويبقى التحدي اليوم متمثلاً في تعزيز التوعية العلمية وتنظيم المجال، بما يحمي المريض ويكرس العلاج النفسي كمسار علاجي مهني قائم على أسس علمية واضحة.


 

** هل هناك بروتوكول موحد معتمد في التعامل مع مختلف ما يفد إليكم من حالات؟ أم أنكم تخضعون كل حالة لعلاج يناسبها؟

* في الممارسة النفسية لا يمكن اعتماد بروتوكول واحد ثابت يُطبَّق على جميع الحالات، لأن كل فرد يحمل خصوصيته النفسية وتاريخه الشخصي وسياقه الأسري والاجتماعي. فما يُعتمد فعلياً هو إطار مهني عام يستند إلى التقييم النفسي الدقيق، حيث يتم من خلاله تحديد طبيعة الاضطراب وشدته والاحتياجات الخاصة بكل حالة.

وانطلاقاً من هذا التقييم، يُبنى المسار العلاجي بشكل مرن ومفصل، مع اختيار التقنيات والمقاربات الأنسب لكل شخص. وقد يتغير هذا المسار أو يُعدَّل تبعاً لتطور الحالة واستجابتها للعلاج. فهذا التفريد في التدخل العلاجي يُعد عنصراً أساسياً في العلاج النفسي الفعال، ويعكس احترام خصوصية الفرد وضمان جودة الرعاية النفسية المقدمة له.

 

** كيف تتصرّفون في حالة حصول نكوص أو انتكاسة في منحى علاج حالة لديكم؟

* يُعد النكوص أو الانتكاس جزءاً ممكناً من المسار العلاجي، ولا يُنظر إليه كفشل، بل كمؤشر يحتاج إلى قراءة وفهم. وعند حدوث ذلك، يتم أولاً إعادة تقييم الحالة بهدوء، وفهم العوامل التي ساهمت في الانتكاسة، سواء كانت نفسية أو ظرفية أو مرتبطة بالسياق المحيط بالفرد.

وعليه، يُعاد ضبط الخطة العلاجية وتكييفها مع المرحلة الجديدة التي تمر بها الحالة، مع تعزيز الدعم النفسي ومساعدة الشخص على استيعاب ما يحدث دون الشعور بالذنب أو الإحباط. فهذا التعامل المرن مع الانتكاسات يُعد عنصراً أساسياً في العلاج النفسي، ويساعد على تحويلها من عائق إلى فرصة لتعميق الفهم وتعزيز مسار التعافي على المدى البعيد.

 

** تتفاقم المشاكل الأسرية والزوجية في مجتمعنا يوماً بعد آخر، هل من تشخيص عام ووصفة سحرية للعلاج؟ وهل هناك إقبال أسري على الاستشارة النفسية في بلادنا؟

* لا يمكن الحديث عن تشخيص واحد أو وصفة سحرية لعلاج التعقيدات الأسرية والزوجية، لأن هذه المشاكل نتاج تداخل عوامل نفسية وتربوية واجتماعية تختلف من أسرة إلى أخرى. غير أن القاسم المشترك في أغلب الحالات يتمثل في ضعف مهارات التواصل، وغياب الوعي بالاحتياجات النفسية، واستمرار أنماط تربوية وعلائقية غير صحية تنتقل بين الأجيال دون وعي.

أما فيما يخص الإقبال على الاستشارة النفسية الأسرية، فيمكن ملاحظة تحسن نسبي مقارنة بالسنوات السابقة، حيث بدأت بعض الأسر تلجأ إلى المختصين بدل تأجيل المشاكل أو التعامل معها بطرق تقليدية غير مجدية. ومع ذلك، لا يزال هذا الإقبال محدوداً ومتأثراً بعوامل اجتماعية وثقافية، ما يجعل الحاجة ملحة إلى المزيد من التوعية بأهمية الوقاية النفسية والتدخل المبكر للحفاظ على تماسك الأسرة وصحتها النفسية.

الإدمان والجريمة والعصابات: قراءة نفسية في جذور الآفات الاجتماعية

** يبدو أن الكثير من الآفات والجرائم الاجتماعية ذات منشأ نفسي، هل ترين أن هناك اهتماماً جاداً بهذه الزاوية لكبح المسعى التصاعدي للإجرام؟

* لا يمكن إرجاع الظواهر الإجرامية إلى سبب واحد فقط، فالسلوك الإجرامي غالباً ما يكون نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وتربوية. ومع ذلك، يبقى البعد النفسي عنصراً مهماً في فهم بعض أنماط السلوك العدواني أو المنحرف، خاصة تلك المرتبطة باضطرابات الشخصية، أو الصدمات غير المعالجة، أو البيئات الأسرية غير المستقرة.

أما فيما يخص الاهتمام بهذه الزاوية، يمكن القول إنه لا يزال في طور التطور، رغم وجود بعض المبادرات التي بدأت تأخذ بعين الاعتبار أهمية الوقاية النفسية والتكفل المبكر. غير أن هذا الاهتمام يحتاج إلى مزيد من التعزيز من خلال إدماج فعلي للمختصين النفسيين في برامج الوقاية، والعمل على دعم الصحة النفسية داخل الأسرة والمدرسة ومختلف الفضاءات الاجتماعية. فالتعامل مع الجريمة لا يقتصر على الردع، بل يتطلب أيضاً فهماً عميقاً لجذورها النفسية والعمل على معالجتها بشكل استباقي.

 

** تنامت في السنوات الأخيرة ظاهرة إجرام عصابات الأحياء، أي تفسير نفسي لهذا الفعل الإجرامي الجماعي؟

* يمكن فهم ظاهرة عصابات الأحياء من خلال تداخل عدة آليات نفسية واجتماعية، حيث لا يتعلق الأمر بدافع فردي فقط، بل بسلوك جماعي يتشكل داخل بيئات معينة. من بين أهم التفسيرات النفسية نجد تأثير الانتماء للجماعة، حيث يبحث الفرد عن الهوية والحماية والاعتراف داخل مجموعة تعوض لديه شعوراً بالنقص أو التهميش، فتتراجع المسؤولية الفردية لصالح «هوية جماعية» تبرر السلوك العدواني وتُطبِّعه تدريجياً.

كما نجد عوامل أخرى قد تلعب دوراً فعالاً في تشكيل قابلية أعلى للانخراط في هذا النوع من السلوك، مثل الإحباط المزمن، وضعف فرص الاندماج الاجتماعي، وتعرض بعض الشباب لبيئات مضطربة أو عنيفة. ليتحول مع الوقت هذا العنف داخل هذه المجموعات إلى نمط تعلم وتكرار مدعوم بثقافة القوة والسيطرة.

وعليه، فإن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى مقاربة وقائية نفسية واجتماعية تهتم بإعادة إدماج الشباب، وتعزيز الانتماء الإيجابي، وبناء بدائل صحية للشعور بالهوية والقيمة داخل المجتمع.

 

** كيف تقيّمين تعاطي المجتمع ومؤسساته مع مشاكل المراهقين والأطفال السلوكية والاجتماعية، وماذا تقترحين لفهم سلوكاتهم وتأطيرها والتقليل من انحرافاتهم؟

* يمكن القول إن التعامل مع مشاكل المراهقين والأطفال السلوكية في المجتمع لا يزال يتراوح بين جهود معتبرة ومحدودة في آن واحد. فهناك وعي متزايد بأهمية الصحة النفسية لدى هذه الفئة، غير أن التدخل غالباً ما يبقى متأخراً، أي بعد ظهور المشكل بدل التركيز على الوقاية المبكرة. كما أن المقاربات التربوية والاجتماعية المعتمدة لا تزال في بعض الحالات تقليدية، ولا تأخذ دائماً بعين الاعتبار التحولات النفسية والسلوكية التي يمر بها الطفل والمراهق في سياقاته الحديثة.

فمن المهم فهم أن السلوكيات غير السوية في هذه المرحلة ليست «انحرافاً» فقط، بل قد تكون أحياناً تعبيراً عن اضطراب انفعالي، أو صعوبة في التواصل، أو استجابة لبيئة أسرية أو مدرسية ضاغطة. لذلك فإن الفهم العلمي للسلوك هو نقطة الانطلاق الأساسية قبل الحكم أو العقاب.

أما فيما يخص المقترحات، فالأولوية تكمن في تعزيز الوقاية النفسية داخل الأسرة والمدرسة، عبر دعم الإرشاد النفسي المدرسي، وتكوين الأولياء في أساليب التربية الإيجابية، مع إدماج المختصين النفسيين بشكل فعال في المؤسسات التربوية. كما يُعد التدخل المبكر عند ظهور أولى المؤشرات السلوكية عاملاً حاسماً في الحد من تطور المشكلات، إلى جانب توفير فضاءات آمنة للتعبير والدعم النفسي للمراهقين، بدل تركهم عرضة للتجارب غير المنظمة أو المؤثرة سلباً.

 

** يعاني ملايين الأفراد في مجتمعنا من الوقوع في قبضة أنواع مختلفة من الإدمان، متباينة في الحدة والخطورة. ما هي أخطر أنواع الإدمان في الجزائر في تقديرك؟

* عند الحديث عن «أخطر» أنواع الإدمان، من المهم التمييز بين خطورته من حيث أثره المباشر على الجانب الصحي، وسرعة انتشاره، وحجم تأثيره الاجتماعي. غير أن الإدمان على المواد المخدرة، خاصة القوية منها، يظل في صدارة الأنواع الأكثر خطورة، نظراً لتأثيره السريع على الجهاز العصبي، وارتباطه بتدهور واضح في السلوك والعلاقات والوضعية الصحية للفرد، إضافة إلى ما قد يرافقه من انخراط في مسارات انحرافية أو إجرامية.

إلا أنه في السنوات الأخيرة برزت أشكال أخرى من الإدمان أقل لفتاً للانتباه لكنها واسعة الانتشار، مثل الإدمان على الشاشات والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة لدى فئة المراهقين والشباب. حيث إن خطورة هذا النوع تكمن في طابعه «الصامت»، إذ يتسلل تدريجياً دون مقاومة اجتماعية تُذكر، لكنه يؤدي مع الوقت إلى العزلة وضعف التركيز واضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي أو المهني.

كما لا يمكن إغفال بعض أنماط الإدمان المرتبطة بمواد قانونية نسبياً أو متداولة اجتماعياً، والتي قد يتم التقليل من شأنها رغم آثارها التراكمية على الصحة النفسية والجسدية. وبالتالي، فخطورة الإدمان في الجزائر اليوم لا تكمن فقط في نوع محدد، بل في تنوع أشكاله بين ما هو «حاد وخطير» وما هو «منتشر وصامت»، وهو ما يستدعي مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والتكفل العلاجي المبكر.

 

** إلى أي مدى يمكن أن يؤثر تعاطي المخدرات والكحول على سلوك الإنسان، وما مدى نجاعة مراكز الإقلاع عن الإدمان في بلادنا، وماذا عن تكاليفها؟

* يؤثر تعاطي المخدرات والكحول بشكل عميق على سلوك الإنسان، لأنه يمس مباشرة وظائف الدماغ المرتبطة بالتحكم في الانفعالات واتخاذ القرار. فمع الاستمرار في التعاطي، يُلاحظ تراجع في القدرة على ضبط النفس، وزيادة في الاندفاعية، وتقلبات مزاجية قد تصل إلى القلق الحاد أو الاكتئاب، إضافة إلى تغير في منظومة القيم والسلوكيات، ما قد ينعكس على العلاقات الأسرية والمهنية، وأحياناً يدفع نحو سلوكيات خطرة أو غير متوقعة.

أما فيما يتعلق بمراكز الإقلاع عن الإدمان في الجزائر، فهي تمثل خطوة مهمة في مسار التكفل، خاصة تلك التي تعتمد مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين العلاج الطبي والدعم النفسي وإعادة التأهيل. ويمكن القول إن نجاعتها تبقى مرتبطة بعدة عوامل، من بينها مدى التزام الشخص بالعلاج، وجودة المرافقة، واستمرارية المتابعة بعد الخروج من المركز. ومع ذلك، لا تزال هذه المراكز تواجه تحديات تتعلق بمدى توفرها، وتفاوت جودة الخدمات، وأحياناً محدودية الوصول إليها في بعض المناطق.

أما التكاليف فتختلف حسب نوع المؤسسة؛ إذ توجد مراكز عمومية تقدم خدمات بتكاليف رمزية أو مجانية في بعض الحالات، مقابل مراكز خاصة قد تكون تكلفتها مرتفعة نسبياً، وهو ما قد يشكل عائقاً أمام بعض الفئات. لذلك يبقى من الضروري دعم هذا النوع من الخدمات وتوسيع نطاقها، مع تعزيز الوعي بأهمية العلاج المبكر لضمان نتائج أفضل على المدى البعيد.

 

** ماذا عن إدمان أنواع من العلاقات غير الشرعية؟ وهل صحيح أن أثر بعضها على المخ شبيه بأثر المخدرات؟

* يمكن الحديث في هذا السياق عن ما يُعرف بالإدمان العاطفي أو التعلق المرضي، حيث يدخل الفرد في علاقات غير متوازنة يصعب عليه الانفصال عنها رغم ما تسببه له من أذى نفسي. وهذا النوع من التعلق لا يرتبط فقط بطبيعة العلاقة، بل بحاجات نفسية عميقة مثل الخوف من الهجر، أو البحث عن التقدير، أو تعويض فراغ عاطفي.

كما أن بعض هذه العلاقات قد تحمل بعداً اندفاعياً أو قهرياً على المستوى الجنسي، حيث يتحول السلوك إلى وسيلة للهروب من التوتر أو لإشباع حاجات نفسية غير ملباة، وليس مجرد تعبير متوازن عن رغبة. ومع التكرار، قد يجد الفرد نفسه في نمط يصعب التحكم فيه، رغم إدراكه لآثاره السلبية على توازنه النفسي وعلاقاته.

وانطلاقاً مما سبق ذكره، يمكننا القول إنه توجد أوجه تشابه بين هذا النوع من الارتباط القهري وبعض أنماط الإدمان، خاصة من حيث تأثيره على نظام المكافأة في الدماغ، حيث يفرز الدماغ مواد مرتبطة بالشعور بالمتعة والتعلق، ما يخلق دائرة متكررة من الانجذاب ثم الإشباع المؤقت فالشعور بالفراغ أو الندم، ثم العودة من جديد. غير أن هذا التشابه لا يعني تطابقاً تاماً مع الإدمان على المواد المخدرة، بل هو تقاطع في بعض الآليات النفسية والعصبية.

لذلك فإن التعامل مع هذه الأنماط يتطلب فهماً أعمق للدوافع النفسية الكامنة، والعمل على بناء توازن عاطفي وسلوكي صحي، بدل الاكتفاء بالأحكام أو محاولات الانفصال السطحية دون معالجة الجذور.

كتاب النرجسية في الروابط الأسرية للأخصائية مريم مسعي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

أخبار الجزائر والعالم

2020