في عالم يسعى الإنسان فيه إلى فهم نهاية الحياة، يظل السؤال الأكثر إثارة للرعب قائماً: ما الشعور الذي يرافق لحظات الموت الأخيرة؟ إنها رحلة في ألم الجسد قبل رحيل الروح..
حلقة من برنامج «القصة وما فيها» ـ سبتمبر 2026 ـ الذي تقدمه الإعلامية المصرية ريهام عياد تستكشف هذا الجانب المظلم، مستندة إلى شهادات علمية وتاريخية وتجارب واقعية، لتكشف أن الموت ليس دائماً لحظة صامتة سريعة، بل قد يكون رحلة مليئة بالألم والوعي المتأخر.
القلب يتوقف... والعقل يظل يستمع
يبدأ التقرير بحادثة وفاة الفنان طلال مداح عام 2000 على المسرح إثر نوبة قلبية. قد يبدو الأمر مريحاً للبعض: انهيار مفاجئ ثم ظلام. لكن الدراسات الطبية تكشف غير ذلك. يشعر المصاب بضغط هائل يشبه سكيناً يغوص في الصدر أو حجراً ثقيلاً يضغط على الرئتين، مصحوباً بدوخة وألم عصبي حاد قبل الإغماء.
ما يثير الدهشة أكثر أن الدماغ قد يظل نشطاً بعد توقف القلب. دراسات حديثة أشارت إلى أن النشاط الدماغي في مناطق السمع والذاكرة والتفكير يستمر في نسبة كبيرة من الحالات، وقد يمتد إلى دقائق. بعض الناجين من توقف القلب الذين أُنعشوا وصفوا سماع أصوات الأطباء والصدمات الكهربائية والبكاء من حولهم، بل ورؤية حياتهم تمر أمام أعينهم مع مشاعر ندم عميق. هذا الوعي الجزئي يجعل اللحظات الأخيرة أكثر رعباً مما يُتخيل.
المشاق في حبل المشنقة
الشنق التقليدي، كما كان يُمارس في إنجلترا قبل قرون، ليس موتاً فورياً. يُعلَّق الشخص بحبل قصير، فيضغط وزنه على مجرى الهواء والأوعية الدموية في الرقبة. يشعر المختنق بانتفاخ الوجه كأن الدم سينفجر من الأوردة، ثم خدر في الجسد وأضواء وامضة، بينما تموت خلايا الدماغ تدريجياً بسبب نقص الأكسجين. قد يستمر العذاب دقائق.
لذلك طُوِّر منصة الإعدام الحديثة لتقصير الحبل حسب الوزن، بهدف كسر فقرات الرقبة وقطع الحبل الشوكي فوراً. لكن الخطأ في الطول قد يؤدي إلى كارثة، كما حدث مع برزان التكريتي عام 2007، حيث انفصل الرأس تماماً عن الجسد.
قطع الرأس... والوعي يستمر ثوانٍ
تاريخ الإعدام بالفأس أو السيف مليء بالتعذيب. في عام 1685، استغرق إعدام أحد الأشخاص 11 ضربة فاشلة قبل استخدام السكين. جاءت المقصلة لتكون «أكثر رحمة»، تقطع الرأس في ثانية واحدة. لكن دراسات، بما فيها واحدة حديثة، أكدت أن الرأس المقطوع يظل واعياً من 8 إلى 15 ثانية. في حالة موثقة عام 1905، حرّك المحكوم عينيه نحو الطبيب الذي ناداه مرتين قبل أن يتلاشى الوعي. هذا يعني أن الضحية يدرك الرعب الكامل للحظة الانفصال.
الكرسي الكهربائي: اختراع «رحيم» تحول إلى كابوس
في أواخر القرن التاسع عشر، روّج توماس إديسون للكرسي الكهربائي كوسيلة سريعة وغير مؤلمة، مدفوعاً بمنافسة علمية أكثر من الرحمة. يُربط المحكوم ويُمرَّر التيار عبر إسفنجة مبللة بمحلول ملحي. الواقع كان مختلفاً: حروق شديدة، تشنجات عنيفة، وأحياناً احتراق الأنسجة. الحالات الفاشلة كانت تترك الضحية يعاني دقائق إضافية من الألم الشديد قبل الموت.
دروس من التاريخ والعلم
تستعرض الحلقة كيف سعى البشر عبر العصور إلى «تحسين» طرق الإعدام لتقليل المعاناة، لكن النتائج غالباً ما كشفت حدود معرفتنا بجسم الإنسان. من الشنق إلى المقصلة إلى الكهرباء، يظهر أن الموت البطيء أو الذي يرافقه وعي متبقٍ هو الأسوأ. العلم يؤكد أن بعض الوظائف الدماغية تبقى نشطة بعد توقف الأعضاء الحيوية، مما يجعل اللحظات الأخيرة أكثر تعقيداً مما نظن.
في النهاية، يذكر التقرير أن الموت تجربة فردية لا يمكن وصفها بالكامل إلا من عاشها ولم يعد. العلم يقترب من فهم بعض جوانبها، لكنه يظل محدوداً أمام سر الروح. الحلقة تدعو إلى التأمل في هشاشة الحياة، دون مبالغة أو تهويل، بل بوقائع مدعومة بشهادات طبية وتاريخية.
* المصدر: حلقة «جربت تموت» من برنامج «القصة وما فيها»
الموسم السابع، تقديم ريهام عياد، متاحة على يوتيوب.
