صوت «اليتيمة» لابن قاسم الجعفري… كلماتٌ ولحنٌ وأداءٌ كُتبتْ في عام 2026، لكنها تبدو كأنها خرجت من أعماق التاريخ، من كل بيتٍ فقدَ أباه، ومن كل طفلٍ فتح عينيه على الدنيا فلم يجد فيها حضناً.
هذه ليست أغنية.
هذه صرخة.
هذه شهادة.
هذه مرآةٌ تُرفع أمام وجوهنا جميعاً.
صوتٌ يخرج من حلق ابن قاسم الجعفري، فيخترق الصدور كما يخترق الرصاص الجدران في غزة، وكما يخترق الصمتُ المريبُ ضمائرَ العالم.
ليست يتيمةً فقدت أباها في حادث طريق.
ليست طفلةً تبحث عن حضنٍ دافئ في ليلٍ بارد.
إنها فلسطين…
اليتيمة التي فقدت أهلها، وضاعت في زحام المصالح، ووقفت وحدها أمام العالم كلّه وهي تُذبح على الهواء مباشرة.
بن قاسم لم يغنِّ عن يتيمةٍ عادية.
غنّى عن وطنٍ يُيتم يوميًا.
عن أرضٍ تُنتزع منها أمومتها، وعن شعبٍ يُترك وحيدًا في العراء بينما الدنيا تُحدّق وتُصوّر وتمضي.
اليتيمة هنا هي القدس التي تبكي تحت الاحتلال،
وهي غزة التي تُحاصر منذ سبعة عشر عامًا ثم تُقصف حتى يُحسب الشهداء بالآلاف،
وهي الضفة التي تُقضم يومًا بعد يوم،
وهي اللاجئ الذي يحمل مفتاح بيتٍ هُدِم قبل أن يولد،
وهي الأم التي تُكفّن أبناءها واحدًا تلو الآخر وهي تقول: «الحمد لله».
اللحن لا يُواسي… بل يُدين.
الكلمات لا تطلب الشفقة… بل تفضح.
الأداء لا يبكي على اليتيم… بل يُشهّر بالذين تخلّوا عنه.
فلسطين اليتيمة لا تطلب صدقة.
هي تطلب أن يعود أهلها إليها.
تطلب من الأمة التي تدّعي أنها أمّتها أن تتوقف عن كونها أمًّا بالشعارات فقط.
تطلب من الضمائر التي نامت طويلًا أن تستيقظ قبل أن يصبح اليتيم قبرًا جماعيًا.
في زمنٍ يُقاس فيه الدم الفلسطيني بعدد المشاهدات،
وفي عصرٍ أصبح فيه الاحتلال «نزاعًا» والاحتلال «دفاعًا عن النفس»،
يأتي صوت بن قاسم كصفعةٍ على وجه النفاق العالمي والعربي معًا.
اليتيمة لم تعد تنتظر من يمسح دمعتها.
هي تنتظر من يقف معها حتى آخر قطرة دم.
هي تنتظر أن يكفّ العالم عن تسميتها «قضية» ويبدأ بتسميتها «واجب».
يا بن قاسم…
لقد أعطيتَ فلسطين صوتًا جديدًا في عام 2026.
صوتًا لا يشبه الخطابات الرنانة، ولا يشبه البيانات الرسمية.
صوتًا يشبه صوت الأم التي فقدت أبناءها وما زالت تنادي: «يا أهلنا… أين أنتم؟».
فلسطين اليتيمة لم تمت.
هي فقط تنتظر أن يعود لها أهلها…
قبل أن يصبح اليتم أبديًا.
