-->
أخبار الجزائر والعالم أخبار الجزائر والعالم

من تختار: من تحبه.. أم من يحبك؟


حين يُختزل القلب في خيارين…
تختار من تحب أم من يحبك؟

بينما فات الميعاد، ميعاد الخيار والاختيار لكثيرين، وفي لحظةٍ من لحظات الصدق التي لا تُنسى، يجلس المستشار التربوي محمد الزهراني في بودكاست «بترولي»، ويُطرح عليه السؤال الذي يدور في رؤوس كثيرين منذ زمن بعيد: «تعيش مع من تحب؟ أم مع من يحبك؟»

يبدو السؤال بسيطاً، حاداً، كأن الحياة كلها محصورة بين ضفتين. إما أن تختار النار التي تحترق بها أنت، أو الدفء الذي يمنحه لك الآخر دون أن تشعر أنت به. لكن الزهراني لا يجيب مباشرة. ينظر إلى السؤال نفسه بعينٍ أخرى، ويقول ما معناه: إن اختزال العلاقات الإنسانية في خيارين حادّين… هو في ذاته من عدم الحكمة.

لأن الإنسان ليس معادلةً رياضية.
ولأن الحب ليس سلعةً تُقاس بالكمية أو الاتجاه.

تخيل أنك تسكن كوكباً، والآخر يسكن كوكباً آخر. لكلٍّ منكما جاذبيته، وضوؤه، ومناخه الداخلي. أن تطلب من نفسك أن تحب كما يحب هو، أو أن تحب كما تريد أنت أن يُحبَّ، هو أن تطلب من كوكبين أن يصبحا كوكباً واحداً بمجرد قرار. وهذا مستحيل. والأكثر خطورة أن نعيش حياتنا ونحن نحاول أن نكون «الشخص الذي يُحَب» أو «الشخص الذي يحب»، فنفقد أنفسنا في الطريق.

الزهراني يشير إلى شيء أعمق: قبل أن تختار «من تحب» أو «من يحبك»، عليك أن تعرف أولاً:
ماذا تريد أنت فعلاً؟
ما هي حاجاتك الحقيقية؟
هل تبحث عن من يملأ فراغاً، أم عن من يسير معك في الطريق نفسه؟

كثيرون يختارون من يحبونهم لأن الشعور بالقبول يُشعرهم بالأمان.
وكثيرون يختارون من يحبونهم هم لأن العاطفة الجامحة تُشعرهم بالحياة.
وكلاهما قد ينتهي إلى ألم مختلف:
الأول يعيش تأنيب ضمير لأنه لا يستطيع أن يعطي ما يُعطى له،
والثاني يعيش عذاب الانتظار لأنه يعطي ولا يُردّ له.

لكن الحقيقة التي يحاول الزهراني أن يضيء عليها هي أن العلاقة الصحية ليست «من يحب أكثر»، بل «من يعرف نفسه أكثر».
من يدرك حدوده، ويحترم حدود الآخر، ويختار بوعي لا بردّ فعل.
من يفهم أن الحب الحقيقي ليس أن تذوب في شخص، ولا أن تُذيب شخصاً فيك، بل أن تبقى أنت… ويبقى هو… وتلتقيان في مساحةٍ مشتركةٍ من الاحترام والقبول والرغبة في النمو معاً.

السؤال «من تحب أم من يحبك؟» سؤالٌ يُبسط الواقع المعقد.
الحياة أعقد من ذلك.
القلوب أعقد من ذلك.
والناس ليسوا مجرد «محبّين» أو «محبوبين»… بل كائناتٌ تحمل تاريخاً وجروحاً وأحلاماً وحاجاتٍ لا تُرى بالعين المجردة.

ربما الأجمل أن نعيد صياغة السؤال:
«هل أعرف نفسي بما يكفي لأختار من أستطيع أن أكون معه صادقاً؟
هل أستطيع أن أحب دون أن أفقد نفسي، وأن أُحَب دون أن أشعر بالذنب؟»

عندها فقط يصبح الاختيار ليس بين طرفين متناقضين،
بل بين حياةٍ تُعاش بوعي… وحياةٍ تُعاش كردّ فعل.

والفرق بينهما… هو الفرق بين من يختار طريقه،
وبين من ينتظر أن يختاره الطريق.


التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

أخبار الجزائر والعالم

2020