أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ
عَبَثاً 
يقول سبحانه: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَاٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ
ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ))
المؤمنون:115-116. ويقول سبحانه: ((تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ
عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ)) الملك:1-2
وأخرج الإمام الترمذي ومسلم في صحيحه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح
الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من
الدنيا)).
ما الهدف والغاية من وجودنا؟ لم خلقنا - يا عباد الله -
ولم أوجدنا في هذه الحياة؟! هل خلقنا لنأكل ونشرب ونلبس! أم وجدنا لنجمع الأموال
الوفيرة والكنوز والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث!
أم الهدف والغاية من وجودنا وخلقنا أن نتمتع بزخرف هذه الحياة وزينتها!!
لا والله - يا عباد الله - ما خلقنا في هذه الدنيا عبثاً
ولم نترك فيها سدى. ((أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ
نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ
مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ
أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ)) القيامة:36-40.
لقد خلقنا والله لمهمة عظيمة وغاية جليلة، تبرأت منها
السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان، لقد خلقنا
لتوحيد الله الواحد الأحد وإفراده بالعبادة سبحانه وتعالى، والعبادة اسم جامع لكل
ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ((وَمَا خَلَقْتُ
ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ
أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ))
الذاريات:56-58
أحد السلف يمر على صبية صغار يلعبون، وبينهم طفل صغير
يبكي، فيظن الرجل أن هذا الطفل يبكي لأنه ليس له لعبة كما لهم لعب، فقال له: يا
بني أتريد أن أشتري لك لعبة؟ قال: ما لهذا أبكي يا قليل العقل، إنما أبكي لأن
هؤلاء يفعلون غير ما خلقوا له، أولم يسمعوا قول الله وهو يوبخ أهل النار:
((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ
تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ
رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ)) المؤمنون:115-116 فدهش الرجل من إجابة هذا الطفل
الصغير وقال له: يا بني إنك لذو لب لذو عقل، وإن كنت صغيراً فعظني، فقال له الطفل
بيتاً واحداً:
فما الدنيا بباقية لحي *** وما حيٌ على الدنيا بباق
فرضي الله عنكم أيها السلف يوم علمتم أن هذه الحياة
بسنينها وأعوامها ينبغي أن تصرف في طاعة الله، ويوم علمتم أن هذه الحياة ليست حياة
أكل وشرب وجماع وإنما حياة عبودية وتذلل وطاعة لله الواحد الأحد، والله - يا عباد
الله - إننا لفي غفلة عما خلقنا لأجله، وإن قلوبنا في قسوة لا يعلم بها إلا الله،
وإننا بحاجة للتفكير بهذه القضية الكبرى في كل أسبوع بل في كل يوم وفي كل لحظة،
فحاجتنا إليها أعظم من حاجتنا إلى الأكل والشراب والهواء، وأعظم من حاجتنا إلى
النوم والجماع واللباس.
فــزاد الـروح أرواح المعانـي*** وليس بأن طعمت ولا شربت
فأكثر ذكـره فـي الأرض دأبـاً ***لتذكر في السماء إذا
ذكـرت
يا متعب الجسم كم تشقى لراحتـه ***أتعبت جسمك فيما فيه
خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها ***فأنت بالروح لا
بالجسم إنسان
يا عامراً لخـراب الـدار مجتهداً*** بالله هل لخراب
الدار عمران
الله سبحانه وتعالى غني عنا وعن عبادتنا وطاعتنا، لا
تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، بل نحن بحاجة إلى الله ونحن الفقراء إلى الله:
((يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ
ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا
ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ)) فاطر:15-17 ((وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ
قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم)) محمد:38
((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي
فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد
منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم إنسكم وجنكم كانوا
على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم
وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك
مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها
لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا
نفسه)).
وفي الأثر الإلهي يقول رب العزة: ((إني إذا أطعت رضيت،
وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية. وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ
السابع من الولد، وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينقلب إلى ما
أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره، وعزتي وجلالي لا يكون عبدٌ من عبيدي على
ما أكره فينتقل إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب)).
فنحن يا عباد الله بحاجة إلى الله، ونحن مفتقرون إلى
الله فلماذا نعصي الله؟! ولماذا لا نستشعر عبودية الله؟! ولماذا لا نستشعر حاجتنا
لله وافتقارنا إلى الله؟!.
فليتك تعفـو والحيـاة مريـرة *** وليتك ترضى والأنام
غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامـر *** وبيني وبين العالمين
خـرابٌ
إن صح منك الود يا غاية المنى *** فكل الذي فوق التراب
تراب
والله إن الإنسان إذا لم يرتبط بالله الواحد الديان فهو
كالبهيمة بل هو أضل لأن الله كرمه بالفعل وشرفه بالفكر وجعل له سمعاً وبصراً
وفؤاداً.
فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، ما الذي خدعك حتى
عصيت الله؟ وما الذي غرك حتى تجاوزت حدود الله؟ وما الذي أذهلك حتى انتهكت حرمات
الله؟! من أنت يا أيها المسكين الحقير الذليل الفقير؟!! أما أنت الذي تؤذيك وتدميك
البقة؟! أما أنت الذي تنتنك العرقة؟! أما أنت الذي تميتك الشرقة؟! أما أنت الذي
تحمل في جوفك العذرة؟! أما أنت الذي تتحول في قبرك إلى جيفة قذرة؟! من أنت يا أيها
المسكين؟!! أما كنت نطفة؟! أما كنت ماءً؟! أما كنت في عالم العدم؟! قبل سنوات لم
تكن شيئاً مذكوراً، وبعد سنوات أيضاً لن تكون شيئاً مذكوراً، ((إِنَّا خَلَقْنَا
ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً
بَصِيراً)) الإنسان:2.
مسكين هذا الإنسان، حقير هذا الإنسان، أتى من ماء، أتى
من نطفة، أتى من عالم العدم، فلما مشى على الأرض تكبر وتجبر، ونسي الله الواحد.
بصق الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً في كفه فوضع عليها إصبعه، ثم قال: ((قال الله
عز وجل: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين
بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: أتصدق!! وأنى أوان
الصدقة)).
فيا أيها الإنسان تفكر في نفسك، تفكر في ضعفك وعجزك
وافتقارك، وتفكر في عظمة الله وفي ملكوت الله، انظر إلى السماء بلا عمد، انظر إلى
الأرض في أحسن مدد، انظر من أجرى الهواء ومن سير الماء ومن جعل الطيور تناظم
بالنغمات، ومن جعل الرياح غاديات رائحات، من فجر النسمات، من خلقك في أحسن
تقويم؟!!.
أهذا يعصى، أهذا يكفر، أهذا يجحد؟!! والله إن السماء بما
فيها من ملكوت لا تعصي الله، وإن الأرض لا تقوى على أي معصية، وإن الجبال الرواسي
الشامخات لا تعصي الله، وإن الشمس بحرارتها وقوتها لا تعصي، وإن القمر بجماله لا
يعصي الله، فلا إله إلا الله كيف استطاع هذا الإنسان الضعيف الحقير أن يعصي ربه
وخالقه ومولاه؟! كيف تجرأ هذا الإنسان أن يعصي جبار السموات والأرض الذي لا يعذب
عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد؟!
يوم تنصب الموازين فيقول الله: يا آدم أخرج بعث النار من
ذريتك، فيقول آدم: ما بعث النار؟ فيقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين،
عندها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم
بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
أما والله لو علم الأنــام *** لما خلقوا لما هجعوا
وناموا
لقد خلقوا ليـوم لو رأتـه ***عيون قلوبهم ساحوا وهاموا
ممات ثم حشـر ثم نشـر ***وتوبيـخ وأهـوالٌ عظـام
ليوم الحشر قد عملت أناس ***فصلوا من مخافته وصـاموا
ونحن إذا أمـرنا أو نهينـا ***كأهـل الكهف أيقـاظ نيـام
يا عبد الله، والله لن يبقى معك إلا ما قدمت من أعمال
صالحة في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فـ((يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ
بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ
ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء)) إبراهيم:27.
وأما في القبر فسوف يرجع أهلك ومالك ولن يبقى معك إلا
عملك، فإن كان عملك صالحاً أتاك رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح، فتسأله: من
أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، ولا أفارقك، وإن كان عملك
خبيثاً فسوف يأتيك رجل قبيح الوجه قبيح الثياب قبيح الريح، فتقول له: من أنت؟
فوجهك الذي يأتي بالشر، فيقول لك: أنا عملك السيئ ولا أفارقك.
وليت أن الأمر ينتهي عند هذا الحد بل سوف تقف عارياً
حافياً في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق على قدر
ميل منهم، ويكون الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى
كعبيه، ومنهم من يبلغ عرقه ركبتيه، ومنهم من يبلغ عرقه حقويه، ومنهم من يبلغ
حنجرته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فتفكر يا عبد الله يوم تقف بين يدي الله
ليس بينك وبينه ترجمان، فتتلفت يميناً فلا تجد إلا ما قدمت، وتتلفت شمالاً فلا ترى
إلا ما قدمت، فتتلفت أمامك فلا ترى إلا النار، وقد غضب الرب غضباً لم يغضب قبله
ولا بعده قط، فعجباً لك يا ابن آدم كيف تجتهد وتتعب وتنصب وتشقى من أجل خمسين أو
ستين سنة في هذه الحياة الدنيا - وهذا لمن بلغ الخمسين أو الستين - ولا تجتهد ولا
تعمل من أجل يوم واحد فقط مقداره خمسين ألف سنة، ومن أجل موقف خطير ومصير مجهول
إما إلى نار وإما إلى جنة ((مَّنْ عَمِلَ صَـالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء
فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لّلْعَبِيدِ)) فصلت:46
أمير بن محمد المدري
إمام وخطيب مسجد الإيمان – اليمن
