* قل للمليحة في الخمار الأسود
تقول
قصة تراثية عربية شهيرة أن تاجرا من أهل الكوفة في العراق ـ المحتل حاليا ـ قدم المدينة
بأخمرة ـ جمع خمار ـ نسائية فباعها كلها، على اختلاف ألوانها، باستثناء الأخمرة
التي تحمل اللون الأسود، فاحتار في طريقة بيعها بعد أن لاحظ أن النسوة يفضلن
الألوان الفاتحة ويمقتن الخمار الأسود.
وكان
للتاجر المسكين صديق شاعر اسمه ربيعة بن عامر الملقب الدارمي معروف بين معاصريه
بخفة دمه وسرعة بديهته، فشكا إليه ذلك الكساد الذي أصاب أخمرتته السوداء، لعله يجد
لبيعها سبيلا، وكان الدارمي قد أصبح زاهدا في الدنيا وترك قول الشعر والغناء،
ولكنه إزاء إلحاح صديقه هداه تفكيره إلى القيام بعمل إعلان شعري غنائي للأخمرة حتى
يتم بيعها وإقبال النساء عليها، على أن يعود بعدئذ إلى تنسكه الذي كان عليه فقال
بالمناسبة أبياتا مازالت تردد حتى يومنا هذا جاء فيها:

قل
للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت بزاهد متعبـد؟
قد
كان شمر للصـلاة ثيابـه ... حتى وقفت له بباب المسجد
ردي
عليه صلاته وصيامـه ... لا تقتليه بحق ديـن
محمـد
وكان
للدارمي صوت جميل فغنى أبياته بطريقة رائعة حتى شاع أمر أغنيته، فلم تبق في
المدينة فتاة أو سيدة إلا ابتاعت خمارا أسود، حتى باع التاجر العراقي كل ما عنده
من سلعة.. ورجع الشاعر الدارمي إلى زهده.
هذه الأبيات تعتبر أول إعلان ـ أو إشهار ـ في
التاريخ كان في شكل شعر نظمه الدرامي، ويبدو أننا اليوم بحاجة إلى "دارمي
جديد" ليس ليقول شعرا في ذات الخمار الأسود، وما فعلته بالناسك المتعبد،
وإنما لينظم قصيدة، وربما قصائد ودواوين في ما فعلته ذوات
الخمار الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والبنفسجي وغيرها من الألوان في "حجاب آخر زمن"..