حكم الخطف في الإسلام..
اعتبر علماء أزهريون أن ما يجري من حين لآخر من عمليات لخطف الرهائن المدنيين على اختلاف دياناتهم نوع من "البغي" المحرم في الإسلام، مؤكدين أن المسلمين الذين يلجأون للخطف "خارجون بذلك على الحدود الشرعية" ولا يعرفون آلية التفقه في دين الله. واتفق العلماء على انه لا يجوز احتجاز المدنيين ـ حتى ولو كانوا من الأعداء ـ كرهائن وتهديدهم بالقتل، بسبب عمل يرتكبه أو يمتنع عنه غيرهم وليسوا مسؤولين عنه، ولا يمكنهم منعه، مؤكدين انه على امتداد التاريخ الإسلامي كله لم يثبت أن ارتكب أحد من المسلمين حادثة اختطاف واحتجاز لرهائن، وأن ما يروى عن النبي أنه أمر بخطف بعض أعدائه مثل حادثة اختطاف ثمامة بن أثال الحنفي هي مجرد روايات مدسوسة على الإسلام لينسبوا إليه ما ليس فيه من صفات تتنافى مع قواعد السماحة والرحمة والاعتدال التي تدعو إليها رسالة الإسلام.
يقول الدكتور جعفر عبد السلام
الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق: الإسلام
لم يقر مثل هذه الأعمال التي تتنافى مع مبادئ العدل والرحمة التي جاء بها
للإنسانية كافة وتحرير الإنسان من الظلم والاستعباد، وتقييد حرية الإنسان في
الشريعة الإسلامية لا تجوز إلا بجرم يرتكبه الإنسان، فضلا عن هذا فان هذه الأعمال
اللاإنسانية مخالفة للقانون فالإنسان من وجهة نظر القانون له حرية التنقل، ولا
يجوز تقييد هذه الحرية إلا بناء على مخالفات يرتكبها الإنسان تجعله محل مساءلة.
وأضاف الدكتور عبد السلام أن التاريخ الإسلامي على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا من
الزمان لم يعرف مثل هذه الأعمال ولم يوجد لها سند شرعي يبررها، وان ربط مثل هذه
الأعمال بالإسلام فيه إساءة بالغة للإسلام والمسلمين لان الإسلام ضد الظلم أيا
كانت جنسية أو دين هذا المظلوم، مؤكدا أن ما يدعيه البعض من أن هناك حوادث اختطاف
لبعض الذين حاربوا ضد الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين ليس صحيحا على
الإطلاق لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحسن معاملة أسرى الحرب وكان يوصي جيوش
المسلمين دائما بإظهار رحمة الإسلام واحترام إنسانية الإنسان. فكان يأمرهم صلى
الله عليه وسلم بألا يقتلوا امرأة أو صبيا أو شيخا كبيرا أو أن يتعرضوا لإنسان
عابد في صومعته، فضلا عن الرحمة حتى بغير الإنسان فأمرهم بألا يقطعوا شجرا أو
يدمروا أو يخربوا أي شيء لأعدائهم لأن الحرب شرعت في الإسلام لتحقيق أهداف مشروعة
ومحددة، ردا لعدوان أو دفاعا عن الإسلام. وهكذا فهي أسباب ودوافع ليس فيها عدوان
أو ظلم لأحد. ويوضح الدكتور عبد السلام أنه بعد فتح مكة وتمكن النبي صلى الله عليه
وسلم من الذين حاربوه وأذوه لم يغدر بهم بل عاملهم بمنتهى الرحمة فقال مقولته
الشهيرة "ماذا تظنون أنى فاعل بكم، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال صلى الله
عليه وسلم لا أقول لكم إلا كما قال أخي يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم
فاذهبوا فأنتم الطلقاء". فأطلق النبي سراح جميع هؤلاء ولكنه استثنى منهم
أربعة لأنهم قد ارتكبوا جرائم يستحقون عليها العقاب كان منهم عكرمة بن أبي جهل
وأيضا ثمامة بن اثال وهذه لم تكن حوادث خطف ولكن عقوبات وقعت على أناس ارتكبوا
جرائم معينة. ويؤكد الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة
والقانون بجامعة الأزهر الخبير بمجمع الفقه الاسلامى بمكة المكرمة أنه لا يجوز اختطاف
مسلم أو غير مسلم واحتجازه لتلبية مطالب مشروعة أو غير مشروعة أو استخدام هؤلاء
الرهائن كوسائل ضغط مثلا للإفراج عن مسجونين أو لأهداف أخرى وذلك لقول الله تعالى "ولا
تزر وازرة وزر أخرى" وقوله سبحانه "ولا تكسب كل نفس إلا عليها".
ويوضح الدكتور إدريس أن مقتضى هذين النصين أن الإنسان إنما يؤاخذ على فعله ولا
يؤاخذ على فعل غيره، فاحتجاز إنسان أو جماعة من الناس ينتمون لدولة ما للضغط على
دولتهم حتى ولو كانت هذه الدولة في حالة حرب أمر لا يقره الإسلام كما أن تعريض
حياة هؤلاء المحتجزين للخطر وترويعهم وتهديدهم بالقتل أمر محرم، ولهذا فقد نهى
الله سبحانه وتعالى عن قتل النفس إلا بالحق، قال تعالى "ولا تقتلوا النفس
التي حرم الله إلا بالحق". ويتابع الدكتور إدريس: إن مجرد احتجاز بعض
الجماعات التي تنسب نفسها إلى الإسلام يدل دلالة دامغة على أن هؤلاء لا فقه عندهم
ولا يعرفون آلية التفقه في دين الله لأنهم لو كانوا متفقهين في دين الله لما
احتجزوا هؤلاء الرهائن بدون جريرة أو ذنب ارتكبوه ولكان هؤلاء أسرع ابتعادا عن
ارتكاب الجرائم في حق من أمنهم الحاكم على أنفسهم ودمائهم وأموالهم لأنهم يدخلون
في عقد الذمة فهم ذميون ولا يجوز نقض عقد الذمة معهم أو التعرض لهم بظلم لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: "من ظلم معاهدا أو ذميا لم يرح رائحة الجنة".
ويقول الدكتور إدريس: إن ما
روي عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بخطف ثمامة بن اثال وكان عدوا له هذا
ليس صحيحا وان الذين يروجون لهذه القصة يريدون أن يلصقوا بالإسلام الأكاذيب
والترهات بهدف إظهار دين الرحمة والسماحة بأنه دين عنف وإرهاب، إذن فما فائدة قول
الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
مشيرا إلى أن ثمامة بن اثال كان رجلا من أهل مكة شديد العداء للرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم وكان يسب النبي وقد استباح النبي دمه عند فتح مكة وقال صلى الله
عليه وسلم لأصحابه "لو وجدتم فلان هذا فاقتلوه". وأردف الدكتور إدريس
قائلا: إن كل الذي حدث في التاريخ الاسلامي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه
كان هناك اثنان من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهما في سرية لعبد الله بن
جحش وكانت هذه السرية متوجهة إلى منطقة تسمى "نخل" بين مكة والطائف ووقع
اثنان من الصحابة في يد قريش وفي الوقت نفسه وقع اثنان من مشركي مكة في يد سرية
عبد الله بن جحش فاحتجزهما الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن تأتي قريش
بالصحابيين، فلما أتته قريش بهذين الصحابيين كان أحد المشركين المحتجزين قد أسلم
وأطلق سراح الآخر بالرغم من أنه ظل على دينه، وهذا لا يعد اختطافا لرهائن، فالذين
يقيسون هذه الواقعة على حوادث الاختطاف في عصرنا الحالي قياسهم ليس صحيحا فأحداث
الاختطاف في هذا العصر إنما تتم لتحقيق أهداف سياسية كما أن هذه الأهداف قد اختلط
فيها ما هو سياسي بما هو شرعي. من جانبه يقول الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع
البحوث الإسلامية بالأزهر وكيل لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان المصري سابقا: إن
اختطاف المدنيين واحتجازهم كرهائن أمر حرمه الإسلام، هذا من ناحية أما إذا كان
هؤلاء المدنيون قد ثبت أنهم يساعدون القوات المعتدية ويمثلون مساندة لها يجوز
خطفهم لان هذا يعد من أعمال الحرب ويصبحون في هذه الحالة أسرى لهم حقوق الأسرى
التي قررها الإسلام وأقرتها المواثيق الدولية، مؤكدا أن الإسلام جاء بقواعد صارمة
لمنع العدوان أو المساس بالآمنين والأبرياء الذين لا يشاركون في الحروب.
